في الصحافة

قراصنة القلم

القبس الالكتروني

في مكتبتي الشخصية بضعة كتب ودراسات لم تلتزم الأمانة في النقل والاقتباس، وأخذت من كتبي من دون أن تذكر اسمي أو تشير إلى اسم الكتاب. قمتُ حينها بمراسلة أصحاب الشأن ودور النشر وكان تفاعل البعض إيجابياً. كانت هذه التجربة الأولى لي، وكانت تجربة صادمة، إذ لم أتصور أن لصوص التأليف وقراصنة الفكر يتفننون في السطو على جهود الآخرين على هذا النحو الوقح الآثم. والمحزن أن بعض دور النشر لم تحرك ساكناً حينما بعثتُ إليها إثباتات واضحة تدل على تورّطها في نشر كتب تتضمن سرقات علمية. ومن أعجب الأمور أنني وجدتُ مقابلة طويلة معي مع إعلامية لم ألتقِها أو أسمع عنها وكل ما في الأمر أنها وجدت مقابلة صحافية قديمة أُجريت معي عندما حصلتُ على جائزة الأم المثالية، وهي مقابلة منشورة جرت سرقتها وإعادة نشرها في موقع من مواقع الانترنت بإخراج مختلف.

كي لا نفقد الثقة بالكلمة المكتوبة، والقلم الحر يجب أن نصون حقاً ونحمي صدقاً عالم النشر والبحث من العبث والقرصنة الماكرة، وأن نسن القوانين الكفيلة لحفظ الحقوق الفكرية، وأن نقوم بقوة بغرس قيم الأمانة في عقولنا وضمائرنا لنمارسها في سلوكنا وكتاباتنا.

إن اهتزاز قيم الصدق وعدم احترام الملكية الفكرية لدى فئة من المنتمين للصروح الأكاديمية والاعلامية أنتج ظاهرة السرقات العلمية الصريحة والضمنية. لماذا يقع هؤلاء في قضايا تخل بنزاهتهم، وتضر مجتمعهم؟! قد يكون الجهل عاملاً، لكن لا أظنه حاسماً، فمعظم حالات السرقات العلمية والفكرية يقوم بها أشخاص يحبون عالم الشهرة السريعة، ويريدون المغانم العاجلة، ويتهربون من المطالعة الحثيثة والمراجعة الدقيقة والتأمل الحر، إما لعجز في ملكاتهم العلمية، وإما لحبهم وشغفهم بالمغانم والشهرة والأضواء من دون عناء. إن الاستخفاف بالقوانين، واستغفال الآخرين، وسقوط القيم من أشرس الأخلاق القاتلة التي تفسد صاحبها وتعكر صفاء المجتمع.

وغني عن البيان أن التكنولوجيا الحديثة وفرت مساحات اعلامية مجانية أتاحت للجميع فرصة التعبير عن الذات ونشر الأفكار بكل سهولة، لكن البعض اكتفى بعمليتي القص واللصق في الكتابة، حتى طغت على حركة التويتر والانستغرام، عبارات كثيرة تجدها متطابقة عند عدد من مستخدمي هذه القنوات، وتصعب معرفة اسم كاتبها الحقيقي. الالتزام بالأمانة قيمة إنسانية تزدهر مع تحري الكاتب الصدق في كل مجال، فمهما كانت النية صالحة والمقاصد كريمة فإن عزو الكلام الى صاحبه دلالة على رجاحة العقل، والثقة بالنفس، واحترام عقول الناس، واعلاء شأن العلم.

في ظل هذه الظروف الثقافية المتأزمة وشيوع آفة السرقات العلمية، فإن نشر قيم الأمانة والنزاهة والصدق ضرورة مُلحة للحد من القرصنة الثقافية، ولا بد من إيجاد وتفعيل قوانين رادعة وصارمة تتعقب المسيئين. ومن الأهمية بمكان أن يقوم المثقفون بترسيخ مهارات التوثيق والبحث وفن الاقتباس والالتزام بأخلاقيات الكتابة الرصينة.

السرقات آفة فكرية، ولوثة أخلاقية تنم عن ضعف أخلاق كاتبها، وعجز تفكير ناشرها. الكتابة الكاذبة الخاطئة هي الكتابة الكاذبة في قولها، المنحرفة في مسلكها، لأنها تعتمد على سرقة الأفكار والنصوص، وتدل على فساد ومرض النفوس.

أ.د. لطيفة حسين الكندري

للمزيد: https://alqabas.com/article/215979

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى