في الصحافة

ضبط الذات

القبس الالكتروني

أقصد بضبط الذات عملية السيطرة على النفس وتوفير المناعة الكافية كي تحافظ على صحتها، ونضارتها، بهدف الارتقاء بمسالك الفرد. تحيط بالإنسان شهوات وملذات لا حصر لها من مثل شهوة النظر، والحديث، والطعام والشراب، والجنس، والشراء والبيع، والشهرة.. هذه النعم وغيرها تعطي الإنسان مساحات لتحقيق إنسانيته والتعبير عن ذاته عبر الشكر لله والاستمتاع بها بشكل متوازن، تجديداً للنشاط وابتهاجاً بالحياة. إن الإغراق في إشباع الشهوات من دون قيد أو شرط من علامات زوال الفطنة ومحق البركة. من المصائب الكبرى اعتبار الشهوات غاية الغايات، فتهيمن على الذهن، وتستولي على مجامع القلب. عدم النظر في عواقب التصرفات والتسرع في إشباع الرغبات يفتحان الباب على مصراعيه لصراعات نفسية تهدد صحة الإنسان، وتهزم إرادته، وتفسد حياته لأنها تحرمه من الانسجام الداخلي.

ومن هنا، فإن إمعان النظر في أنفسنا وتصرفاتنا والدوافع المحركة لسلوكياتنا من أبرز الطرق لتهذيب أرواحنا، وتحسين شخصياتنا. يتحول الفرد المتبع لهواه إلى كائن هامشي لديه ميول جامحة تحجبه عن رؤية كنوز وذخائر الجمال الحقيقي من حوله. إن اشباع اللذة الآنية من غير ضابط من شأنه أن يدمر السعادة المستقبلية. فالتفكير في عواقب الأمور سمة الإنسان الحكيم الذي يتحكم بشهواته، وهذا بطبيعة الأمر سيحميه حتماً من كثير من صور الخداع، والكذب، والغش وجميع الأخلاق المذمومة التي تسلبنا فطرتنا النقية، وتعكر طبائعنا السوية. النفوس المتعلّقة بالترف الزائد والمتشوقة إلى الشكليات فقط هي نفوس متعبة لاهثة خلف السراب.

تشتهي النفس الكثير من الأشياء ولا تثريب على الإنسان في الاستمتاع بالملذات التي لا تفسد الجسم، ولا تسوء العقل، ولا تنتهك حرمة الدين، ولا تبدد حق المجتمع. نشهد اليوم اكتساح قيم الاستهلاك، إذ غدت القروض البنكية تتيح للأفراد تسهيلات مفيدة وأيضاً ضارة عندما يعيش المرء حياة باذخة تعج بالإفراط، وتضج بالترف، فيفكر ملياً في يومه من دون إمعان النظر في قابل الأيام. وللمجتمع دوره في تهيئة الفرص الصحية كي يحقق الأفراد قدراً أكبر من السعادة من دون أن تطغى متعة الفرد على حقوق الآخرين.

الانغماس في البحث عن الملذات المادية يفوت على المرء مصالح عظيمة وغايات سامية، والعاقل لا يتنازل عن المصالح الدائمة من أجل متع زائلة. لا خير في لذة لا تؤدي إلى الراحة النفسية والاطمئنان القلبي ولا بركة في أعمال تجافي الطبع السليم. الاستمتاع بالطيبات ثمرة لضبط النفس، والروية في الفكر، وحسن التصرف وإدراك الأمر الصائب. النصر الحقيقي هو ضبط الذات والتحكم في التصرفات والاعتدال في الاستمتاع بالملذات. التربية الحسنة لا تحتقر الملذات، ولا تقمع الشهوات، بل تدعو إلى التمتع بالحياة بميزان الاعتدال عبر توجيه النفس وضبطها. أ.د. لطيفة حسين الكندري

للمزيد: https://alqabas.com/article/5723

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى